أبي الفرج الأصفهاني

86

الأغاني

ومضرّس . وكان [ 1 ] سعد بن معاذ حمل يومئذ جريحا إلى عمرو بن الجموح الحراميّ ، فمنّ عليه وأجاره وأخاه يوم رعل ، وهو على الأوس ، من القطع والحرق ، فكافأه سعد بمثل ذلك في يوم بعاث . وأقسم كعب بن أسد القرظيّ ليذلَّنّ عبد اللَّه بن أبيّ ، وليحلقنّ رأسه تحت مزاحم ؛ فناداه كعب : انزل يا عدوّ اللَّه . فقال له عبد اللَّه : أنشدك اللَّه وما خذّلت عنكم . فسأل عما قال ، فوجده حقّا ، فرجع عنه . العدول عن هدم أطم عبد اللَّه بن أبيّ وأجمعت الأوس على أن تهدم مزاحما أطم عبد اللَّه بن أبيّ ، وحلف حضير ليهدمنّه ، فكلَّم فيه ، فأمرهم أن يريثوا [ 2 ] فيه ، فحفروا فيه كوّة . وأفلت يومئذ الزبير بن إياس بن باطا ثابت بن قيس بن شمّاس أخا بني الحارث بن الخزرج ، وهي النعمة التي كافأه بها ثابت في الإسلام يوم بني قريظة . أبو قيس بن الأسلت لا يوافق على هدم دور الخزرج وخرج حضير الكتائب وأبو عامر الراهب حتى أتيا قيس بن الأسلب بعد الهزيمة ، فقال له حضير : يا أبا قيس ؛ إن رأيت أن تأتي الخزرج قصرا قصرا ودارا دارا ، نقتل ونهدم ، حتى لا يبقى منهم أحد ! / فقال / أبو قيس : واللَّه لا نفعل ذلك ؛ فغضب حضير ، وقال : ما سمّيتم الأوس [ 3 ] إلا لأنكم تؤوسون الأمر أوسا . ولو ظفرت منّا الخزرج بمثلها ما أقالوناها . ثم انصرف إلى الأوس ، فأمرهم بالرجوع إلى ديارهم . موت حضير من جروحه وكان حضير جرح يومئذ جراحة شديدة ، فذهب به كليب [ 4 ] بن صيفيّ بن عبد الأشهل إلى منزله في بني أميّة بن زيد ، فلبث عنده أيّاما ثم مات من الجراحة التي كانت به ، فقبره اليوم في بني أمية بن زيد . يهودي أعمى يتتبع سير القتال وكان يهوديّ أعمى من بني قريظة يومئذ في أطم من آطامهم ، فقال لابنة له : أشرفي على الأطم ، فانظري ما فعل القوم ، فأشرفت ، فقالت : أسمع الصوت قد ارتفع في أعلى قورى ، وأسمع قائلا يقول : اضربوا يا آل الخزرج . فقال : الدولة إذا على الأوس ، لا خير في البقاء . ثم قال : ما ذا تسمعين ؟ قالت : أسمع رجالا يقولون : يا آل الأوس ، ورجالا يقولون : يا آل الخزرج . قال : الآن حمي القتال . ثم لبث ساعة ، ثم قال : أشرفي فاسمعي ، فأشرفت ، فقالت : أسمع قوما يقولون : نحن بنو صخرة أصحاب الرّعل قال : تلك بنو عبد الأشهل ، فظفرت واللَّه الأوس - وصخرة أمّهم بنت مرّة بن ظفر أمّ بني عبد الأشهل - ثم وثب فرحا نحو باب الأطم فضرب رأسه بحلق بابه [ 5 ] ، وكان من حجارة فسقط فمات .

--> [ 1 ] في أ : « وهو أن سعد بن معاذ » . [ 2 ] الريث : الإبطاء ، وفي المختار : « يؤثروا » . [ 3 ] في أ : « ما سميتم الأوس أوسا » . [ 4 ] في المختار : « طلبة بن صيفي » . [ 5 ] في هامش أ : « حاق بابه : عضادة الباب » ، وفي المختار : « بحاف بابه » .